لطالما تضايقت من مراقبة الناس لي، ومن أعينهم التي إذا حدقت فيّ أشعر كأنها سهام تخترقني من كل صوب .. ولهذا أحببت العزلة، حيث لا وجود لأحد كي تتوتر بسببه .. ولكني لم أعلم مطلقًا أن راحتي ستنتهى .. وعلى نحو غير متوقع ..
*** ****** ***
اليوم
هو السبت، وقد بلغت من التعب مما جعلني أرتمي على إحدى الكراسي متأملاً منظر
الحديقة الخضراء عبر حاجز زجاجي يفصلني عنها ..
لا شئ
قد يعكر صفوي الآن ..
كنت مقتنعًا بذلك حتى جاء صوت رنين الهاتف
المزعج كأنه يقول لي ساخرًا .. ها قد عكرت صفوك الآن! ..
نهضت
متثاقلاً لأرفع سماعة الهاتف وبادرت بالقول ..
- مرحبًا!..
- مرحبًا "ستيفنسون"!، كيف حالك
الآن؟! ..
- "آنا"! .. "آنا
ريتشارد"؟! ..
- نعم، هي بعينها! ..
(إنها تريد شيئًا ما .. هذا أكيد)
- حسنًا "آنا"، أنا سعيد جدًا لسماعك
مرة أخرى، لكن ما سر الإتصال المفاجئ؟! ..
- في الواقع، أنا أريد منك خدمة بسيطة، أتمنى أن
تؤديها لي! ..
ثم عقبت ..
- أنت تعلم إننا في صدد عملية تجديد كبيرة
لبيتنا ولن نتمكن من التواجد فيه إلا بعد مضي أسبوع من الآن، وكنا نأمل أن نترك
عندك بعض موجوداتنا لحين عودتنا مرة أخرى ..
فَكْرّت قليلاً، ثم قلت ..
- حسنًا،لا توجد مشكلة، يمكنك إحضارها في أي وقت
..
وضعْتُ
سماعة الهاتف إثر إنتهاءي من المكالمة، وحمدت الله إنها لم تطلب شيئًًا أخر ..
الآن أستطيع العودة إلى كرسيي الوثير حتى أكمل
جلسة إسترخائي! ...
* * *
..في اليوم التالي .. إستيقظت على صوت سيارتها
وهي تجوب الشارع المقابل، فهرعت خارجًا لألقي عليهم التحية.. هي وزوجها ..
وحين خرجْت وجدتها تغادر السيارة وهي تتأمل بيتي
الذي يبدو إنه لم ينل إعجابها ..
-"لديك منزل جميل بلا شك!"
قالها زوجها وهو يضع الصناديق على الأرض تمهيدًا
لإدخالها المنزل .. فأجبته محاولاً التظاهر بالتواضع قدر الإمكان ..
-"أفعل ما بوسعي لجعله مكانًا مريحًا للعيش
.."
صَمَتُ لوهلةٍ ثم سألتهم ..
-"لكنكم لم تخبروني .. متى حدث الزواج
السعيد؟!.."
بدت مظاهر الفرح على وجه (آنا) حين أخبرتني ..
-"كان الأمر كالسحر .. حين رأيته للمرة
الأولى عرفت إنه المختار!"
أردف زوجها ..
-"كان حبًا من النظرة الأولى.. كما
يقولون!"
إبتسم الزوجان فإبتسمت معهما، وساعدت الزوج -
الذي عرفت فيما بعد أن إسمه (آدم) - في حمل الصناديق إلى المنزل ، ثم أخرجت (آنا)
التذكارات وبدأت تحكي قصة كل واحدة منها ..
-"أتعلم! .. تلك الزهرية إشتريناها من
أسبانيا، وكدنا أن نخسرها لولا أن ضاعف زوجي ثمنها ثلاث مرات! .. مما أخرس
المنافسين المساكين! .."
لم تتوقف عند هذا الحد بل أرتني شمعدانًا فضيًا
وأخذت تحدثني عنه.. وعن تاريخه العريق ..
لكنِّي في تلك المرة لم أكن مصغيًا بالكامل ،
فقد لفتت إنتباهي لوحة زيتية لقطٍ أسود ، مع سوارٍ ذهبي موضوعًا في عنقه، وعينان
مخيفتان لا تكفان عن النظر إليك ..
-"هل عَجَبَتْك؟!"
قالتها
الزوجة بعد أن لاحظت إهتمامي باللوحة .. ثم إستطردت ..
-"أتعلم!.. تلك اللوحة إشتريناها - على ما
أتذكر- من فرنسا، وقال لي بائعها أن ذلك القط وجدوه حيًا في إحدى المقابر
الفرعونية .." هنا قاطعها زوجها ..
-"أعتقد إنه قال هذا فقط لكي يرفع من
ثمنها! .."
تَجَاهَلَتْ كلام زوجها وتابعت ..
-"لقد عانينا كثيرًا لكي نشتري تلك اللوحة ،
وأنا أريدها في أحسن حالاتها لحين ننتهي من تجديد بيتنا .."
هنا توقفت عن الكلام للحظة ثم إقتربت مني،
وبنظرة لا تهتز قالت ..
-"أريدك أن تهتم بتلك اللوحة وتوليها عناية
خاصة، إذا وجدت خدشًا واحدًا عليها لن أرحم أحدًا .. مفهوم؟.."
-"مفهوم!.."
ثم تناولت
اللوحة وعلقتها على الجدار ، وأخذت تؤكد مرة أخرى على أهميتها وضرورة إعتنائي بها
..، حتى أودعتني السلام و غادرت ..
- "أخيرًا.." ، قلتها في نفاذ صبر..
..وعلى
الفور هرعت لأُحضِر كوب شيكولاتة ذائبة، ومن ثم إستلقيت على الأريكة المريحة كي
اشاهد التلفاز، و لو إني كنت بين الحين والأخر ألقي نظرة خاطفة على اللوحة حتى
يطمئن قلبي ..
..في النهاية، لم أجد على التلفاز ما يثير
إهتمامي، فذهبت للمطبخ حتى أرى ما قد يثير إهتمامي هناك.. وبدأت أبحث عن مشروب أخر
أو حتى علبة مثلجات، حتى سمعت صوتًا صدر من غرفة الجلوس ..
(كان الصوت أشبه بمواء قطٍ قد أصابته العلة والمرض)
.. وبتؤدة خطوت إلى مصدر الصوت وقلبي يكاد يقفز
من بين ضلوعي، فأنا لم أر أي قط هنا منذ أن سكنت هذا المنزل .. ولكن هذا لم يكن
مصدر خوفي الوحيد.. فتلك اللوحة لم أرتح لها منذ أن رأيتها وأعتقد أن لها علاقة ما
بصوت المواء ..
كنت على
وشك دخول غرفة الجلوس حيث يمكنك رؤية قط أسود ذو عينين مفزعتين لا تكفان عن النظر
إليك، حتى هدأت أعصابي وأستراح بالي حين رأيت قطًا - حقيقيًا - يلهو في حديقة
منزلي وقد بدت عليه مظاهر الفرح والسعادة! .. حسنًا، يبدو إني كنت مخطئًا بعد كل
شئ! ..
بعد ما
حدث؛ تلاشى الخوف من قلبي، ودأبت على مواصلة أنشطة يومي المعتادة... حتى دخلت
المطبخ مرة أخرى لكي أحضر الفطور فوضعت شرائح الخبز في المحمصة وإنتظرت.. وحتى
أقضي على الملل أخذت أدندن موسيقاي المفضلة.. فلا شئ قد يعتريني، لاشئ قد يصيبني، لاشئ قد...
- ماذا حدث للتو؟! ..
فجأة، لمحت ظلاً مر أمامي ودخل الغرفة المقابلة
(ما هو يا ترى؟!..)
فتبعت ذلك الظل حتى دخلت الغرفة، وهناك لم أستطع
أن أرى شيئًا من الظلام حتى رأيت جسمًا لامعًا لم اعرف ماهيته، فاقتربت منه لأكتشف
أنه عبارة عن سوارٍ مُذهب لامع رسمت عليه بعض الحروف بالكتابة الهيروغلفية ..
- إنه هو!.. نفس السوار اللعين الذي يرتديه
القط!
..تسمرت مكاني
متأملاً ذلك السوار في ذعر .. لقد كنت في موقف لا يحتمل أي أحداث أخرى..
تيك! ..
إلتفت فورًا لمصدر الصوت، إلذي إتضح إنه كان صوت
ألة التحميص لا أكثر، وما إن عدت ببصري إلى ذلك السوار حتى إكتشفت إني ممسك بساعة
يد مطلية بماء الذهب ، في الحقيقة أنا أذكر
إني قد إشتريت تلك الساعة منذ مدة، لكني متأكد من رؤيتي لذلك السوار حقيقة لا خيال
..
- "صدقوني، أنا لم أجن! .. أنا متأكد من
رؤيتي لذلك السوار!"
وفي
النهاية، لم يكن لدي أي تفسير لما حدث سوى أنها كانت هلاوس ناتجة من عدم النوم..
نعم! ..
لم ينبغي عليّ أن أشرب مشروب الشيكولاتة هذا! ..
(لا توجد مشكلة، كل ما عليّ هو أن أنام .. وفي
الغد حالتي ستتحسن)
..ومن ثم ذهبت لفراشي، واندثرت تحت الغطاء ..
وبدأت احلم ...
*
* *
- أين أنا ؟..
فجأة وجدت نفسي أرتفع فوق الفراش لألتصق
بالسقف.. وهناك رأيت جسدي المندثر تحت الغطاء وهو غير واعٍٍ بما يحدث حوله .. ولكن
تلك لم تكن المشكلة، فهناك عند باب الغرفة المفتوح رأيت ظلال شئ ما قد إرتسمت على
الجدار المقابل للغرفة.. لم أستطع أن أعرف لمن هي ولكنها أخذت تقترب .. وتقترب ..
حتى
قلقت على نفسي في الحلم..
لكن ما
إن صدر صوت المواء هذا * *
*
* * * حتى
إستيقظت من أثره، ولم أحتَج للتفكير بعدها ..
فأنا لن أتحمل النظر لتلك اللوحة مجددًا ..
..ذهبت لتلك اللوحة الملعونة وألقيت بها في
غرفتها مع باقي التذكارات كما يجب ان تكون، ولا أبالي إذا غمرها الغبار فحين تأتي
السيدة "آنا ريتشارد" سأقول لها أن تأخذ لوحتها معها إلى الجحيم ..
لم تتحمل أعصابي أكثر من ذلك، فجلست على الأريكة
لأرتاح وتسليت بمراقبة القطة التي كانت تلهو أمام المنزل وتوقفت الآن عن اللعب ..
بعد لحظات ظهرت قطة أخرى معها.. ثم أخرى.. ووقفوا جميعًا ساكنين ناظرين إلى شئٍ
ما.. ورائي!..
عَلت إبتسامة خفيفة وجه اللوحة هذه المرة، أم
إنها كانت موجودة من قبل؟! ..
اللعنة! .. تلك اللوحة ستفقدني صوابي ..
ذهبت إلى المطبخ واحضرت سكينًا، وبدأت أطعن في
اللوحة وأمزقها صارخًا كالمجنون .. لكن ما إن تهدأ ثائرتي واتوقف حتى تلتئم اللوحة
مرة أخرى وتتسع إبتسامتها ساخرة مني ..
لم
أتحمل أكثر من ذلك .. فإقتلعت اللوحة من مكانها ثم أدرتها لأجد بعض الكلمات مكتوبة
على ظهرها ..
- لاشك إنها بالفرنسية ..
ركضت
لغرفتي حيث أحتفظ بقاموس للغة الفرنسية، فوجدت الكلمات كالآتي ..
(من الرماد ظهر القط، وإلى الرماد سوف يعود)
- هذا هو الحل، سوف أحرق اللوحة اللعينة!
ولكني سأحرقها بعيدًا، حيث لا مجال للعودة ..
على الإطلاق!
تأكدت
من وجود اللوحة داخل السيارة، ثم إنطلقت ..
...
لم أتخيل أن هذا سيحدث معي ..
لكنه حدث، ولن يهدأ لي بال حتى تحترق تلك اللوحة
وتصير رمادًا ..
- ها قد وصلنا..
غادرت
السيارة واللوحة معي .. ألقيتها على الأرض .. عبوة كيروسين .. عود ثقاب ..وانتهى
الأمر
ثم عدت ادراجي وفكرة واحدة تسيطر عليّ..
- هل إنتهى الأمر؟!..
إذا لم ينتهي، فليس لدي حل أخر..
*
* *
وصلت
للمنزل والخوف يتملكني، دخلت وبتؤدة مشيت..
فأنا لست مستعدًا بعد للمفاجآت ..
هاهو
الجدار .. (هل سأجده هناك؟!..)
إقتربت
منه وببطء إلتفت ..
- لا يوجد أي شئ هنا! .. لقد إنتهى الامر!
كل ما
يقلقني الآن هو ما سأقوله ل"آنا"! ..
اللعنة! .. أنا فعلاً لم افكر فيما سأقوله لها
..
فجأة .. صدر صوت رنين الهاتف ..
- أنا هالك لا محالة! ..
مددت يدي المرتجفة حتى تلتقط سماعة الهاتف ثم ..
- مرحبًا ..
- مرحبًا (ستيفنسون)!، بالتأكيد أنت تتسائل الآن
أين ذهبت تلك اللوحة، أليس كذلك؟، لكن لا تقلق فلقد قررنا أن نحتفظ بها معنا لحين
إنتهاء أعمال التجديد .. نحن لم نتحمل أن تظل بعيدة عنا كل ذلك الوقت..
- ولكن، هل وجدتيها في المنزل؟!..
- ماذا تقصد ؟!، لقد كانت معلقة على الحائط
تمامًا كما تركتها.. نحن إضطررنا لإستعمال مفتاح قديم لبيتك كان لدينا، بالتأكيد
أنت لا تمانع!، أليس كذلك؟!.. آلو!.. ستيفنسون!.. هل تسمعني؟!
هنا.. وقفت الكلمات في حلقي.. وتهاوى الهاتف من
بين يدي.. وأخذ سؤال واحد يتردد في ذهني ..
ماذا.. سيحدث..
الآن؟! ..
*
* *
(لم تنتهِ بعد)